النويري

273

نهاية الأرب في فنون الأدب

وأما سبب ولايته القضاء بدمشق ، فإنه كان قد بلغ الملك المعظم عن القاضي جمال الدين المصري - قاضى قضاة دمشق - أنه يتعاطى الشراب . فأراد تحقيق ذلك عيانا ، فاستدعاه ، وهو في مجلس الشراب ، فحضر إليه . فلما رآه قام إليه ، وناوله هنّابا « 1 » مملوءا خمرا . فولى القاضي جمال الدين المصري ورجع ، فغاب هنيهة ، ثم عاد وقد خلع ثياب القضاء : الطَّرحة « 2 » والبقيار « 3 » والفوقانيّة « 4 » ، ولبس قباء « 5 » ، وتعمّم بتخفيفه وحمل منديلا . ودخل على الملك المعظم في زي النّدماء . وقبّل الأرض ، وتناول الهنّاب من يده وشرب ما فيه . ونادم المعظم فأحسن منادمته فأعجبه . واعتذر من قراره أنه ما كان يمكنه تعاطى ذلك ، وهو في زىّ القضاة . فاغتبط الملك المعظم به .

--> « 1 » الهنّاب : قدح للشراب . وهذا اللفظ يوجد في اللغات الأوربية أيضا . ( أنظر سلوك - زيادة ج 1 ص 607 حاشية 3 ) « 2 » كانت من ملابس القضاة . قال في « صبح الأعشى » : « ويتميز قضاة القضاة الشافعي والحنفي بلبس طرحة تستر عمامته وتنسدل على ظهره » . ( ج 4 - 42 ) « 3 » عمامة كبيرة من زي القضاة . جاء في نفس المصدر السابق : « فالقضاة والعلماء يلبسون العمائم من الشاشات الكبار للغاية » . ( ج 41 - 42 ) وهى كلمة فارسية ، فسرها دوزى بما تقدم ( سلوك - ج 1 - 55 ) « 4 » كانت من زي القضاة أيضا ، يلبسونها في الشتاء . جاء في المصدر السابق : « وإن كان شتاء ، كان الفوقاني من ملبوسهم ( أي القضاة ) من الصوف الأبيض الملطى . ولا يلبسون الملون إلا في بيوتهم » ( صبح الأعشى : ج 4 - 42 ) « 5 » المراد أنه لبس ثياب الجند ، أو غير رجال الدين .